تُعدّ جامعة الخرطوم المؤسسة الرائدة للتعليم العالي في السودان، وإحدى أعرق الجامعات وأرفعها مكانةً في القارّة الأفريقية. وتعود بدايتها إلى عام 1902 مع افتتاح كلية غردون التذكارية، التي أُنشئت في الخرطوم إحياءً لذكرى الجنرال تشارلز غردون، ومُوِّلت في معظمها عن طريق الاكتتاب العام؛ وقد ذُكِر أنّ هدفاً أولياً بلغ مئة ألف جنيه إسترليني قد تحقّق في غضون أسابيع. وما بدأ مجموعةً من المدارس الابتدائية والصناعية ومدارس إعداد المعلمين نضج على مدى النصف الأول من القرن العشرين حتى غدا مؤسسةً كاملة الأركان للتعليم العالي.

\n

وجاءت محطة فارقة في عام 1924 مع تأسيس مدرسة كتشنر الطبية، أوّل كلية للطب في السودان ونواة تقليدٍ طبيٍّ لا تزال الجامعة تشتهر به. وتلتها كلياتٌ أخرى: كلية للقانون عام 1936، والزراعة والعلوم البيطرية عام 1938، والعلوم عام 1939، والآداب عام 1940. ومنذ منتصف أربعينيات القرن العشرين ارتبطت الكلية بجامعة لندن، فأصبحت تمنح شهاداتٍ معترفاً بها من لندن؛ وفي عام 1951 أُعيد تشكيلها لتصبح كلية الخرطوم الجامعية، وفي عام 1956، عام استقلال السودان، نالت استقلالها التام باسم جامعة الخرطوم.

\n

وعلى امتداد حرمها الجامعي المتعدّد، ضمّت الجامعة — وفق أرقامٍ ذُكِرت قبل الاضطرابات الأخيرة — أكثر من عشرين كليةً ومعهداً، ونحو 16,800 طالبٍ في المرحلة الجامعية الأولى، وقرابة 6,000 طالبٍ في الدراسات العليا، يدعمهم نحو 850 عضواً من أعضاء هيئة التدريس. وتُعدّ كلياتها في الطب والهندسة والعمارة والقانون من بين الأرفع احتراماً في المنطقة، تكمّلها برامج قويّة في الزراعة والعلوم البيطرية والصيدلة والعلوم والعلوم الإنسانية. وقد احتضنت الجامعة منذ أمدٍ بعيد مراكز بحثية متخصّصة — من بينها مركز أبحاث الميسيتوما (الورم الفطري) المعترف به دولياً، ومعهد الأمراض المتوطنة — وظلّت مكتبتها المركزية، التي تضمّ مئات الآلاف من المجلّدات، بمثابة مستودعٍ علميٍّ وطني.

\n

ولعلّ أثمن ما تملكه جامعة الخرطوم هو نُخبة الشخصيات التي خرّجتها. فمن بين خرّيجيها رؤساء حكوماتٍ وكبار رجال الدولة، مثل رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، والراحل جون قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي؛ وعلماء بارزون مثل منصور علي حسيب، أوّل أستاذٍ سودانيٍّ في الطب، والفاتح الطاهر، أستاذ الهيدرولوجيا وموارد المياه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)؛ وقاماتٌ أدبية وعلمية شامخة، منهم الروائي الطيب صالح مؤلّف رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، والكاتبة ليلى أبو العلا، والفقيه القانوني عبد الله أحمد النعيم من جامعة إيموري. وقد أسهمت أجيالٌ من الأطباء والمهندسين والقانونيين والمعلّمين وموظفي الخدمة المدنية ممّن تدرّبوا هنا في تشكيل السودان، بل وفي تشكيل مؤسساتٍ في مختلف أنحاء أفريقيا والعالم العربي والمهجر حول العالم.

\n

وبالنسبة إلى الطلاب الدوليين والأفارقة، تمثّل جامعة الخرطوم بوّابةً تاريخية إلى تعليمٍ عالٍ رصينٍ متأثّرٍ بالنهج الإنجليزي وذي جذورٍ إقليمية عميقة. إنّ تقليدها العريق في الحرية الأكاديمية، وسجلّها في البحوث التي تتناول الأمراض والتحدّيات الخاصة بالبيئة الأفريقية، وشبكة خرّيجيها الواسعة، تمنحها أهميةً باقيةً تتجاوز حدود السودان بكثير. وبوصفها مؤسسةً ذات إرثٍ عريق، تقف رمزاً لاستثمار السودان الطويل في العلم، ولقدرة البلاد على أن تظلّ مركزاً للمعرفة في المنطقة.