جامعة الجزيرة، التي يقع مقرها في مدينة ود مدني في قلب الحزام الزراعي الأوسط للسودان، هي إحدى أعرق الجامعات وأكثرها حظوة بالتقدير في البلاد، ورائدة حقيقية في مجال التعليم الطبي على مستوى أفريقيا والعالم العربي. أُنشئت بمرسوم جمهوري في التاسع من نوفمبر عام 1975، وقد اختيرت منطقة الجزيرة عن قصد لما تتمتّع به من أهمية زراعية واقتصادية واجتماعية. وبدأ التدريس فيها عام 1978 بأربع كليات مؤسِّسة هي: العلوم الزراعية؛ والاقتصاد والتنمية الريفية؛ والطب والعلوم الصحية؛ والعلوم والتكنولوجيا. ومن هذه البدايات نمت لتغدو مؤسسة جامعية شاملة تضم — وفق ما أُفيد به في السنوات الأخيرة — نحو 23 كلية موزّعة على قرابة اثني عشر حرماً جامعياً، إلى جانب كلية للدراسات العليا، وكلية مجتمع، وتسعة معاهد بحثية متخصصة، من بينها المعهد القومي للسرطان ومعهد لإدارة المياه والري.
ويتمثّل أبرز إنجازات الجامعة في كلية الطب بها (FMUG)، التي استحدثت منهجاً دراسياً ذا توجّه مجتمعي وقائماً على المجتمع، كان مبتكَراً لا في السودان وحده بل على الصعيد الدولي أيضاً. وقد طُوِّر هذا النموذج على يد البروفيسور بشير حمد، وهو يدمج العلوم الاجتماعية بالممارسة السريرية، ويُخالط الطلابَ مجتمعاتٍ حقيقية اعتباراً من السنة الثانية من البرنامج الذي تمتد مدته خمس سنوات، ويجمع بين التدريب الميداني والبحث ومقرّر في التنمية الريفية. وكانت الكلية سبّاقة إلى التدريب على طب الأسرة والرعاية الصحية الأولية، ثم تبنّى نهجَها كثير من كليات الطب في أنحاء السودان والمنطقة الأوسع.
وقد نال هذا العمل اعترافاً دولياً متواصلاً. فقد اعتُرِف بكلية الطب بوصفها مركزاً متعاوناً مع منظمة الصحة العالمية، فيما كان مركزها لطب المجتمع، الذي أُنشئ عام 1978، الأولَ من نوعه في البلاد. وقد ذُكرت الكلية ضمن مجموعة صغيرة من كليات الطب في العالم تُعَدّ من الرائدة في تعليم مهنيي الصحة القائم على المسؤولية المجتمعية، وهي عضو مؤسِّس في شبكة "THEnet" (شبكة التدريب من أجل الإنصاف الصحي). ومن بين ما نالته من تكريمات جائزةُ حمدان لأفضل كلية طب في العالم العربي (2001–2002) وجائزةُ البنك الإسلامي للتنمية في العلوم والتكنولوجيا (2017).
وتُعدّ الزراعة موطن القوة الثاني الكبير للجامعة. فقد أسهم قربها من مشروع الجزيرة، الذي كان تاريخياً من أكبر مشاريع الزراعة المروية في أفريقيا، في تشكيل رسالتها التأسيسية القائمة على خدمة التنمية الريفية، وصُمِّمت كلياتها الزراعية وكليات الاقتصاد الريفي بها لتزويد تلك البيئة بخريجين رفيعي المستوى وببحوث تطبيقية. وكانت الجامعة كذلك من أوائل الجامعات في السودان التي اعتمدت اللغة العربية لغةَ تدريس في جميع كلياتها، وأنتجت مجموعة كبيرة من المؤلفات الأكاديمية باللغة العربية.
وتقدّم جامعة الجزيرة للطلاب الدوليين عرضاً متميزاً: تعليماً طبياً يحظى باعتراف عالمي لفلسفته القائمة على المجتمع، وبرامج قوية في الزراعة والعلوم الصحية، ورسالةً متجذّرة صراحةً في المسؤولية المجتمعية والخدمة. وقد حمل خريجو برامجها للماجستير في طب الأسرة والتعليم الطبي نموذجَ الجزيرة إلى نظم صحية تتجاوز حدود السودان بمراحل.
ويكمن الإرث الباقي لجامعة الجزيرة في هذا المزيج من الصرامة العلمية والغاية الاجتماعية. فتأثيرها في طريقة تدريس الطب، محلياً وإقليمياً ودولياً، إسهام باقٍ، كما تمثّل مواطن قوتها المؤسسية في مجالي الصحة والزراعة إمكانات كبيرة بعيدة المدى للبلاد والمنطقة.


