على امتداد جانبٍ كبير من القرن العشرين، كان السودان واحداً من أبرز وجهات الطلاب الدوليين في أفريقيا، إذ اجتذب شباباً من مختلف أنحاء القارة ومن العالم الإسلامي الأوسع للدراسة في الخرطوم وأم درمان. وقد جعل موقعُه عند ملتقى العالمَين العربي والأفريقي، وجامعاتُه المرموقة، وتقاليدُه العريقة في العلوم العربية والإسلامية، منه مكاناً طبيعياً للدراسة أمام الطلاب الساعين إلى التعليم المتقدم في تلك المجالات، فضلاً عن الطب والعلوم.

وتُعدّ الصلات بين السودان ونيجيريا مثالاً بالغ العراقة على وجه الخصوص. فالروابط التعليمية بين السودان وشمال نيجيريا تعود على الأقل إلى الحقبة الاستعمارية؛ ففي ثلاثينيات القرن العشرين استُقدِم مدرّسون سودانيون للتدريس في مدرسة شاهوتشي القضائية بمدينة كانو وفي مدرسة القانون بالأقاليم الشمالية، وعلى مدى العقود التالية سلك تدفّقٌ مطّرد من الطلاب النيجيريين الطريق المعاكس لمواصلة دراستهم في السودان. والتحق كثيرٌ من خرّيجي المدارس العربية والإسلامية في شمال نيجيريا بالتعليم العالي في المؤسسات السودانية، ثم عادوا إلى أوطانهم معلّمين وأساتذةَ جامعات وإداريين وأطباء وقضاةً في المحاكم المدنية والشرعية. وقد وصف الباحثون تياراً فكرياً متميزاً يربط مفكّري شمال نيجيريا بالسودان، ولا تزال هذه العلاقة مرجعاً في التاريخ التعليمي المشترك بين البلدين. وثمّة روابط مماثلة ربطت السودان بتشاد والكاميرون والنيجر والقرن الأفريقي وما وراءها.

وقد اتخذ هذا الدور صورةً مؤسسيةً راسخة في جامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم. فقد بدأت عام 1977 باسم المركز الإسلامي الأفريقي الذي أُنشئ لتعليم الشباب المسلم من مختلف أنحاء أفريقيا، ثم رُقِّي إلى جامعة كاملة عام 1991. وتمحورت رسالتها حول خدمة الطلاب من أفريقيا جنوب الصحراء ومن العالم الإسلامي الأوسع، وعلى مرّ السنين استقبلت طلاباً من أكثر من تسعين دولة في كلياتٍ تمتد من الدراسات الإسلامية والتربية والعلوم الإنسانية إلى العلوم البحتة والتطبيقية والهندسة والطب. وإذ تقوم على حرمٍ جامعيٍّ واسع جنوبي الخرطوم، وتمدّ نشاطها عبر مؤسسات تابعة لها مثل كلية في زنجبار، بنت الجامعة سمعةً بوصفها مركزاً للتبادل الثقافي درس فيه طلابٌ من أممٍ عديدة جنباً إلى جنب — مدعومين في الغالب بمِنحٍ دراسية جعلت الدراسة في متناول ذوي الأصول المتواضعة.

وعزّزت مؤسساتٌ أخرى جاذبية السودان في نظر الطلاب الدوليين. فقد اجتذبت جامعةُ أم درمان الإسلامية والمؤسساتُ اللاحقة المتخصصة في القرآن والعلوم الإسلامية طلابَ الدين واللغة العربية؛ في حين استقطبت جامعةُ الخرطوم وجامعةُ الجزيرة وغيرهما الساعين إلى دراسة الطب والزراعة والهندسة. وبالنسبة إلى كثيرٍ من الأسر في غرب أفريقيا ووسطها، كان إيفاد ابنٍ أو ابنة للدراسة في السودان ينطوي على جاذبيةٍ عملية وثقافية معاً: شهادةٌ محترمة، وانغماسٌ في اللغة العربية، وبيئةٌ إسلامية مألوفة.

ومن المهم أن نكون صريحين بشأن الحاضر. فمنذ أبريل 2023 أدّى النزاع في السودان إلى تعطيلٍ شديد للجامعات ولتسجيل الطلاب الدوليين الجدد، وينبغي للطلاب المرتقبين الاعتماد على الإرشادات الرسمية والمحدَّثة فيما يخص القبول والسفر. والوصف الوارد أعلاه إنما يصف إرثاً راسخاً ورسالةً مؤسسيةً بُنيت على مدى عقود، لا الأوضاع التشغيلية الراهنة. غير أنّ ذلك الإرث — إرث السودان بوصفه مكاناً مرحِّباً للدراسة أمام الطلاب من نيجيريا ومن مختلف أنحاء أفريقيا والعالم الإسلامي — يظل جزءاً مهماً من هوية البلد وأساساً يمكن أن تُبنى عليه من جديد روابطُه في مجال التعليم العالي.