في أقصى الجنوب، في «جزيرة مروي» الخصبة بين النيل ونهر عطبرة، وجدت مملكة كوش موطنها الأطول بقاءً. فقد انتقلت العاصمة إلى هنا بحلول القرن السادس قبل الميلاد، ولمّا تبعتها المدافن الملكية نحو 300 قبل الميلاد دخلت المملكة عصرها المرويّ المتميّز الذي امتدّ حتى نحو 350 ميلادية.

قامت مروي عند ملتقى دروب القوافل وتجارة النهر، تصدّر الذهب والحديد والعاج والسلع النادرة إلى عالم البحر المتوسط. وصهرت الحديد على نطاق واسع حتى إنّ أكوامًا ضخمة من الخبث لا تزال ترتفع بجوار معابدها. وهنا أيضًا دوّن الكوشيون لغتهم بالكتابة المروية — أبجديةٌ تُقرأ اليوم أصواتها وإن ظلّ كثيرٌ من لغتها غير مفهوم.

وُوري حكّامها الثرى تحت أكثر من مئتي هرم — أكثف حقول الأهرام في العالم — أشدّ انحدارًا وأضيق من أهرام مصر. وعبَدت المدينة الإله الأسد أبادماك في النقعة والمصوّرات، وحكمتها أحيانًا ملكاتٌ مهيبات، «الكنداكات»؛ أبرمت إحداهنّ، أماني ريناس، صلحًا مؤاتيًا مع الإمبراطور أغسطس. ومواقع «جزيرة مروي» الأثرية مُدرَجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.