نهضت كرمة على الضفة الشرقية للنيل فوق الشلّال الثالث بقليل، في ما يُعرف اليوم بشمال السودان. ومن نحو 2500 قبل الميلاد غدت عاصمة أوّل ممالك النوبة، وأقدم مدينة في أفريقيا جنوب مصر — مستقرًّا من المعابد والقصور والورش والمساكن، أطلق عليه المصريون اسم بلاد كوش.

وفي قلبها لا يزال يقوم «الدفوفة الغربية»، كتلةٌ صمّاء من الطوب اللبِن يبلغ ارتفاعها نحو ثمانية عشر مترًا — من أقدم معالم أفريقيا، وهي مع «الدفوفة الشرقية» في الجبّانة المجاورة من ثلاث منشآت فقط بقيت من هذا النوع. وبلغت المملكة أوجها في عصر كرمة الكلاسيكي، نحو 1750–1500 قبل الميلاد، حين صنع حرفيّوها الأكواب الشهيرة الحمراء ذات الحواف السوداء، الرقيقة كقشر البيض، ودُفن حكّامها تحت تلال ترابية ضخمة، أكبرها يقارب تسعين مترًا عرضًا، وحولهم قرابين غنية.

قامت قوّة كرمة على الماشية وعلى تجارة الذهب والعاج والأبنوس التي كانت تتدفّق شمالًا إلى مصر، التي شيّد فراعنتها سلسلة من الحصون لصدّ توسّعها. وحينًا، في أثناء اضطرابات مصر الداخلية، أغارت كرمة عميقًا في الشمال. وانتهى استقلالها نحو 1500 قبل الميلاد حين فتح الفرعون تحتمس الأوّل المدينة — لكنّ المملكة النوبية التي أسّستها كانت ستنهض من جديد.