تمنح الجغرافيا السودان ميزة بنيوية لا تمحوها أي اضطرابات مهما اشتدّت: فهو الجسر الطبيعي بين البحر الأحمر والمناطق الداخلية الشاسعة الحبيسة في وسط شمال أفريقيا. ويأتي ميناء بورتسودان في صدارة هذه الميزة، بوصفه البوابة الرئيسية للمياه العميقة في البلاد وأحد أكثر الموانئ ازدحامًا على الجانب الأفريقي من ذلك الممر المائي. وهو يتولى في العام الاعتيادي الغالبية العظمى من التجارة البحرية السودانية، بما يناهز أربعة مليارات دولار أمريكي من الصادرات و7.5 مليار من الواردات، من خلال مرافق تشمل محطة حاويات تبلغ طاقتها نحو 800,000 حاوية نمطية (TEU) سنويًا وعدة أرصفة للبضائع السائبة والحاويات. وإذ يقع الميناء على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، بين قناة السويس ومضيق باب المندب، فإنه مؤهل جيدًا للاضطلاع بدور مركز إقليمي لإعادة الشحن والخدمات اللوجستية. أما مسار التطوير المعروف — بتعميق الأرصفة لتبلغ 18 مترًا، وتحديث معدات مناولة البضائع، وإضافة مناطق للتخزين والخدمات اللوجستية عبر شراكات مع مشغّلين دوليين — فيرسم قائمة ملموسة من المشروعات القابلة للاستثمار.

وفي الداخل، يمتلك السودان واحدة من أوسع شبكات السكك الحديدية في أفريقيا، إذ تمتد قضبانها بطول يناهز 4,500 إلى 4,700 كيلومتر تربط تاريخيًا بين وادي حلفا على الحدود المصرية والخرطوم وبورتسودان والغرب الزراعي عبر سنار وكوستي والأُبيّض. ويستأثر خط الخرطوم–بورتسودان الرئيسي وحده بأكثر من ثلثي الشحن السككي الوطني. وقد تقادمت الشبكة وبات جزء كبير منها بحاجة إلى إعادة تأهيل، غير أن مساراتها تظل استراتيجية وفرصة تأهيلها كبيرة. وها هي الطموحات تعود على نطاق قاري: إذ يُتوقع أن يشكّل خط سكة حديد داكار–بورتسودان المقترح شريانًا عابرًا للقارة بطول نحو 10,000 كيلومتر يربط المحيط الأطلسي بالبحر الأحمر، كما طُرحت اتفاقات لمدّ السكة من بورتسودان باتجاه أدري في شرق تشاد، مع تصوّر امتدادات لاحقة نحو جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا.

ومنطق الممرات هذا هو جوهر المسوّغ المتعلق بالبنية التحتية. فتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وإلى حدٍّ ما إثيوبيا، دولٌ حبيسة أو تعاني ضعف الخدمات المينائية، وبالنسبة لجزء كبير من منطقة الساحل يمرّ أقصر طريق موثوق إلى المياه المفتوحة عبر السودان. ومن ثمّ فإن كل كيلومتر من الطرق والسكك والطاقة المينائية المطوَّرة لا يخدم سوقًا وطنية واحدة فحسب، بل مجالًا إقليميًا يضم عدة دول. ويضيف نهر النيل محورًا آخر، بوصفه مصدرًا للمياه والري وللنقل في مجاريه الصالحة للملاحة، وهو المحور الذي تجمّعت حوله المجتمعات السكانية والأنشطة الاقتصادية منذ آلاف السنين.

وبالنسبة للمستثمرين وشركاء التنمية، يبقى الموقع هو الأصل الدائم: ساحلٌ على بحرٍ استراتيجي، وعاصمةٌ تمتد عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، وممرات سككية وبرية تتوغل عميقًا في القارة. وتكمن الإمكانات في التحديث المنجَز عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والامتيازات، والتمويل الإقليمي، بما يشمل محطات الموانئ، والموانئ الجافة والمجمّعات اللوجستية، وإعادة تأهيل السكك ومدّ خطوط جديدة، والممرات البرية التي تربط منطقة الساحل بالبحر. إنه إرثٌ من الربط والتواصل ينتظر أن يُرتقى به إلى المستوى العصري.