يمثّل قطاع الطاقة الميدان الذي تلتقي فيه الموارد الطبيعية للسودان مع احتياجاته التنموية على نحوٍ أوضح ما يكون، وهو يتيح واحدةً من أجلى الفرص الاستثمارية طويلة الأمد في المنطقة. وتشكّل الطاقة الكهرومائية المولّدة من نهر النيل العمود الفقري للشبكة الوطنية. فسدّ مروي، الذي دخل الخدمة عام 2009 عند الشلال الرابع للنهر، تبلغ قدرته المركّبة نحو 1,250 ميغاواط موزّعة على عشر وحدات توليد، وهو مصمَّم لإنتاج ما يزيد على 6,500 غيغاواط/ساعة سنوياً. ويضيف سدّ الروصيرص على النيل الأزرق — الذي اكتملت تعليته عام 2013 لتوسيع سعة التخزين والري — قدراً إضافياً من التوليد الكهرومائي، ليبلغ إجمالي القدرة الكهرومائية المركّبة في السودان نحو 1,900 ميغاواط. بل إن الدراسات تقدّر الإمكانات الكهرومائية القابلة للتحقيق في نهاية المطاف بأعلى من ذلك، إذ تُعَدّ قدرةٌ إضافية تتجاوز 2,000 ميغاواط ممكنةً تقنياً.
غير أن الفرصة الأبرز تكمن في الطاقة الشمسية. فالسودان يتلقّى مستوياتٍ من أعلى معدّلات الإشعاع الشمسي على وجه الأرض، إذ يبلغ الإشعاع الأفقي الإجمالي نحو 5.5 إلى 6.6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً (أي ما يقارب 2,000 إلى 2,500 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع سنوياً) في معظم أنحاء أراضيه. ولم يُستغلّ حتى الآن سوى جزءٍ يسير من ذلك؛ إذ تسهم الطاقة الشمسية بأقلّ بكثير من واحد في المئة من كهرباء الشبكة، وهو ما يبيّن اتساع آفاق النمو لا حدوده. وتستهدف الخطط الوطنية بلوغ نحو 2,190 ميغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية المتصلة بالشبكة بحلول عام 2035، ويجعل اجتماعُ الأراضي المنخفضة الكلفة والسماء الصافية والطلب الكبير غير الملبّى من محطات الطاقة الكهروضوئية واسعة النطاق، والطاقة الشمسية الموزّعة لأغراض التعدين والزراعة، وأنظمة الطاقة الشمسية المقترنة بالتخزين، خياراتٍ جاذبة. وتُعَدّ طاقة الرياح مورداً مكمّلاً؛ إذ تخلص التقييمات إلى أن قرابة نصف مساحة أراضي السودان تنطوي على إمكانات ريحية قوية، مع مشروعاتٍ أولية تُقدَّر بمئات الميغاواط.
ويعزّز جانبُ الطلب هذه الفرصة. فنسبة الحصول على الكهرباء تبلغ نحو 62 في المئة من السكان — قرابة 84 في المئة في المناطق الحضرية مقابل 49 في المئة فقط في الأرياف — ومن ثَمّ يتوافر متّسعٌ كبير لمشروعات التوليد والنقل الجديدة والحلول غير المتصلة بالشبكة لخدمة الأسر والصناعة والزراعة المروية.
والسودان كذلك بلدٌ منتج للهيدروكربونات، وله حضور راسخ في مراحل الصناعة النهائية. فالاحتياطيات النفطية الوطنية تُقدَّر بأكثر من مليار برميل، ويحتفظ البلد بأصولٍ للتكرير من بينها مصفاة الخرطوم (بطاقة اسمية تناهز 100,000 برميل يومياً) ومصفاة الأُبيّض الأصغر حجماً. ومن الأمانة الإقرار بأن منشأة الخرطوم متوقفة عن العمل في خِضمّ النزاع الراهن، وأن البنية التحتية للتكرير بحاجة إلى إعادة تأهيل. وهذا في حدّ ذاته جزء من المنطق الاستثماري، إذ يمثّل التحديثُ وتأمينُ اللقيم وتوريدُ المنتجات النهائية فرصاً ملموسة مع إعادة بناء القطاع.
والخيط الناظم هو بلدٌ غنيّ بالطاقة الأولية — نهرٌ عظيم، وسطوعٌ شمسي من الطراز العالمي، وطاقةُ رياحٍ ذات شأن، ونفطٌ خاص به — مقترناً بسوقٍ واسعة غير مخدومة بالقدر الكافي. وبالنسبة إلى المستثمرين ذوي الأفق البعيد، فإن إرث السودان في مجال الطاقة الكهرومائية النيلية، إلى جانب إمكاناته المتجددة غير المستغلّة إلى حدٍّ بعيد، يشيران معاً نحو منظومة كهربائية متنوّعة وأقلّ كلفة، شريطة أن يقترن الاستثمار بتحديث الشبكة واستقرار السياسات.


