بعد أكثر من ألف عام على سقوط مروي — وبعد عصر طويل من الممالك النوبية المسيحية التي تلتها — توحّد نيل الأواسط من جديد. ففي سنة 1504 أسّس عمارة دنقس سلطنة الفونج وعاصمتها سنّار على النيل الأزرق، مع أفول آخر الممالك المسيحية، مملكة علوة. وتُذكَر باسم «السلطنة الزرقاء»، وقد قُدّر لها أن تدوم أكثر من ثلاثة قرون.

بلغت السلطنة في أوجها من الشلّال الثالث إلى أطراف الغابات المطيرة، موحّدةً سهل الجزيرة بين النيلين تحت عرش واحد. وفي ظلّ حكم الفونج انتشر الإسلام واللغة العربية في المنطقة، حملهما شيوخ الصوفية، وغدت سنّار من كبريات مدن عصرها — مركزًا مرموقًا للتجارة والعلم الإسلاميّ، لا يزال مسجدها الجامع المبنيّ من الطوب اللبِن قائمًا في أطلاله.

صدّ الفونج زحفًا عثمانيًّا صاعدًا في النيل عند معركة حنّك سنة 1585، فثبّتوا الحدّ الشمالي أجيالًا. وفي قرنها الأخير آلت السلطة الفعلية إلى وزراء «الهمج» بينما بقي السلاطين حكّامًا بالاسم، وفي سنة 1821 سقطت الدولة المنهكة أمام جيش محمد علي والي مصر الغازي — إيذانًا بفصل جديد في تاريخ السودان.